الصفحـــــــة الرئيـســـــــــة

الاثنين، 20 يونيو، 2011

تكست -العدد 13- رواية "رحلة بالثازار الشاقة " : البحث عن نهاية العالم ترجمة نجاح الجبيلي



رواية "رحلة بالثازار الشاقة " :

البحث عن نهاية العالم

أمين معلوف ترجمتها من الفرنسية : بارباره بري 391ص

راجعها: دانيال سويفت

· ترجمة: نجاح الجبيلي

تبدأ النبوءة " مبارك الذي يقرأ ومباركون أولئك الذين يسمعون لأن الوقت متاح الآن". إن الكتاب الأخير من الكتاب المقدس وثيمته الكبيرة- أننا لابد أن ننتبه للقصص القديمة- هما في قلب أحدث رواية لأمين معلوف، كاتب المقالة اللبناني المسيحي المعروف والروائي الذي يعيش في باريس. وكما يوحي العنوان تحكي رواية "رحلة بالثازار الشاقة" رحلة يقوم بها "بالثازار أمبرياكو" ، وهو بائع كتب إيطالي في عام 1666. لكن في رحلته الشاقة – من المشرق عبر أوربا وحتى إنكلترا- فهو يعرف القليل مما هو جديد لأن ثيمة "معلوف" ليست الرحلة بل الحكي نفسه.

خشي الرجال أن عام 1666 سيكون عام الرؤية التي وعدت بها النبوءة وأن رحلة "بالثازار" الشاقة حفزها ذلك الخوف وهو يتعقب الكتاب الذي ربما يحتوي على الاسم المئوي للرب، الاسم الذي ربما لم يوجد في القرآن والذي يتيح خلاص الإنسان، وخلال رحلته يلتقي بـ"مارتا" التي اختفى زوجها قبل سنوات، فترحل إلى القسطنطينية للحصول على إعلان رسمي بموته، لأنه تحت السطح الميلودرامي لرواية "معلوف" –شؤون الحب، الأزواج المفقودون، القراصنة- توجد مقالة عن القصص والقبضة التي تمسكنا بها.إن النبوءات الألفية هي النوع الأغنى من القصص لأنها ليست قصصاً عن الأحداث التي ستقع في المستقبل فقط بل هي تبشر بدمارنا أيضاً. وفي جولته في التصورات الألفية الأوربية للقرن السابع عشر يلتقي "بالثازار" بـ "ساباتي زيفي"- وهو المسيح اليهودي الزائف- في "سميرنا" ويصل إلى لندن تماماً في الوقت الذي يحدث فيه حريق لندن العظيم في أيلول عام 1666. إن معلوف جيد في تأكيده على النبوءة الألفية وحاجتنا القصوى لها.. " نغمة الانتصار في الإعلان عن أفظع الكوارث !". ألم يتحدث الرجال دائماً عن نهاية التاريخ ؟ ذلك هو بالضبط المكان الذي نريد أن نحيا فيه.










يقول شيخ القرية في البداية لـ"بالثازار" :" إذا أردت أن تعرف العالم فكل ما تحتاجه هو أن تصغي "، وأبطال معلوف مستمعون جيدون. ففي روايته السابقة "ليون الأفريقي" تُقدم طفولة "ليو" مسرودة كتيار من القصص تقصها شخصيات أخرى ويسمعها طفل غير قادر على الكلام. يكتب "ليو" عن منفى عرب غرناطة في عام 1492 :" كنت نفسي أبلغ من العمر أقل من ثلاث سنوات في تلك الأيام المضطربة، ولا أعلم إن كانت الصيحات التي بلغت أسماعي في تلك اللحظة هي ذكرى ما سمعته فعلاً في ذلك الأثناء أو ببساطة صدى آلاف الأوصاف للقصة التي سمعتها منذ ذلك الحين". إن القصص التي جرى تذكرها تتردد من خلال روايات معلوف.

إن الثيمة الموازية لعمل معلوف هو دافع الإنسان إلى العنف، وبالنسبة لمعلوف تكون عاقبة القص والعنف كلاهما هي رحلة بحثنا المتزعزعة دائماً عن الهوية. وفي كلتا الحالتين يجد معلوف أخيراً أن الهوية ذات علاقة بالجماعة. القص والعنف هما تلميحان إلى الجماعات لا الأفراد، وفي كتابه الصادر عام 2001 بعنوان "باسم الهوية" يناقش معلوف أن الرجال يرتكبون الأفعال العنيفة حين يشعرون أن هوية جماعتهم مهددة، ويستمر بالاقتباس من "مارك بلوخ" مع تأييده :" الرجال هم أبناء عصورهم أكثر مما هم أبناء آبائهم". لا يهتم معلوف حقاً بالتوترات المحددة التي تصنع شخصية الفرد، فشخصياته لها عيون وآذان لكن بلا رغبات حقيقية أو مخاوف.

إن مشكلة نبذ معلوف للفرد هي أن فرادة الناس بالضبط كانت دائماً موضوع الرواية، فـ"بالثازار" لا يلفت انتباهنا: الضجر من الحياة ، الشك بالدين المنظم، وهو يبدو كمفكر عام في أواخر القرن العشرين، ومفرداته حديثة مثل حسه، ويعلن أنه يفتقد "أوزون" هواء البحر، وهي كلمة لم تسجل إلا في عام 1840، وفي حانة في لندن يشرب "عدداً من الباينتات" (الباينت نصف لتر) وهو مصطلح لم يستعمل كرمز لقياس البيرة إلا في القرن الثامن عشر. ربما بالإمكان توجيه اللوم إلى "بربارة بري" التي ترجمت المائع بشكل مختلف بسبب سوء فهم التواريخ هذه، لكن لا يمكن أن تلام المترجمة بسبب افتقار بالثازار للشخصية ، فكان ضحية للظروف أكثر من كونه شخصية وهو يعثر على الكتاب مرتين ويفقده مرتين، وكما قال "أوسكار وايلد" ضياع مفتاح خلاص الإنسان مرة واحدة هو سوء حظ لكن ضياعه مرتين هو إهمال بالتأكيد. إن "بالثازار" ليس الشخصية الوحيدة التي تفشل في الظهور من النموذج الأصلي نصف المعتم. إن معلوف راض دائماً في البقاء عند مستوى الكليشة (النموذج الجاهز): التاجر اليهودي الشكاك ذو الأقوال اللاذعة، الكاهن الهولندي الصلب والواعظ البيورتاني المدمن على الخمر.

لقد كتب معلوف رواية أفكار تكون الأفكار فيها أكثر أهمية من الرواية، وكما تتفق جميع كتب التاريخ بدأ حريق لندن الكبير في يوم الاثنين 2 أيلول 1666 ودام خمسة أيام، لكن كما يسجل "بالثازار" في يومياته بدأ الحريق بعد أسبوع في "ذلك التاريخ الملعون 11 أيلول". هل يعيد معلوف كتابة القرن السابع عشر كونه الحاضر؟ يبدو الجواب :كلا. إن "بالثازار" ككاثوليكي لبناني يتبع بصورة صحيحة تماماً التقويم اليولياني الذي يتقدم بأسبوع على التقويم الغريغوري. كتب معلوف أيضاً "رحلة بالثازار الشاقة" قبل عام 2000 حين نشرت في فرنسا لهذا ربما لم يدر بالعبء المتتالي لهذا التاريخ. إننا بالأحرى نربط التاريخ بأنفسنا بينما نقرأ لهذا تكون الصدمة من رؤية التاريخ والوصف المتتالي للمدينة المحترقة هي المثال الكامل لثيمة الرواية المركزية: كلنا نتوق إلى الراحة في العيش في القصة؛ نقرأ أحداث الحياة اليومية كأنها جزء من حبكة السرد النبوئي وكما يعبّر "بالثازار" عن ذلك:" العلامات تصبح علامات فقط لأنكم تكونون في حذر منها". يذكرنا معلوف: أنك لا تستطيع أن تحكم على القصة أمام الحقيقة فهما لا يسيران على المقاييس نفسها، لكنك تستطيع أن تحكم على القصة أمام القصص الأخرى وهذه لا تستطيع أن تصمد ببساطة. إن سرد معلوف لن يرتفع أبداً فوق الميلودراما، ولو رغب معلوف بأغلب ضروب المخاوف الجزئية والثقة المطلقة التي تصنع القصة الجيدة لربما تحول ببساطة إلى الرؤيا نفسها بحوامل شموعها المشؤومة وحيواناتها المملوءة بالعيون والأفراس الحمر.يبدو محزناً أن معلوف يركز أيضاً على شبكة الأفكار التي تحاول حكايته تجسيدها لكنها تخفق أخيراً في ذلك. قد يكون هذا هو الهدف. ربما تكون القصص دائماً غير كافية لتحمل الثقل الذي نضعها فوقها، وفي وسط النصف الثاني من الرواية توجد كذبة، قصة مؤجلة، عن طفل قد يكون موجوداً أو غير موجود. ولا شك أننا نعرف جميعاً أن العالم لم ينته في عام 1666، وبعد أن تركنا معلوف مع هذين الغائبين، هل يوحي برقة أن الأمر برمته مجرد قصة ؟

*قاص ومترجم عراقي

ارتباط

العــــودة للصفحـــــة الرئيســـة – العــــــدد 13

العــــودة للصفحـــــة الرئيســـة – تكست جريدة شهرية ثقافية مستقلة